• ×

د.عبدالرحمن الدهش

وَفِى كُلٍّ خَيْرٌ

د.عبدالرحمن الدهش

 0  0  53
زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط

إن الحمد لله ... أما بعد : -
فإن مما يدركه الإنسان البصير حكمة الله في تفاوت رغبات الناس ، وتباين هممهم ومراداتهم والتأمل في ذلك لا يقل عظة وادكاراً عن التأمل في اختلاف ألسنتهم وألوانهم وإذا كان الله يقول في ذلك (ومن آياته خلق السموات والأرض واختلاف ألسنتكم وألوانكم)
فقد قال أيضاً في الذين يريدون العاجلة ومريدي الآخرة الساعين لها (كلاً نمد هؤلاء وهؤلاء من عطاء ربك وما كان عطاء ربك محظوراً انظر كيف فضلنا بعضهم على بعض)
أيها الإخوة: إن الإنسان بطبيعته التي خلقه الله عليها ضعيف في بدنه ضعيف في إدراكه وتصوراته فهو يريد كل شيء ولا يستطيع أن يدرك إلا بعضاً من شيء ثم هذا الشيء الذي أدركه لم يدركه على أتم صفة فيه وأعلى درجة منه .
وكلامنا هو في الإرادات الباقية التي تنفع صاحبها ويسر بلقياها (والباقيات الصالحات خير عند ربك ثواباً خير أملاً) وفي الآية الثانية (وخير مرداً) .
ولهذا يقول النبي صلى الله عليه وسلم (استقيموا ولن تحصوا) ، (اكلفوا من الأعمال ما تطيقون) قضيتان يلفت إليهما كلام النبي صلى الله عليه وسلم فلن تطيق كل عمل وما تطيقه لن تحصيه أي: لن تتمه على وجهه ؛ ولأجل هذا الخلل في بنية الإنسان اقتضت حكمة الله التخفيف على عباده (علم أن لن تحصوه فتاب عليكم)
إذن هي سنة إلاهية تنبه لها الصحابة رضي الله عنه فسألوا عن أفضل الأعمال وعن أحبها إلى الله وأقربها إليه .
ثم تبع هذا تفاوت الناس في أخذهم من هذه الأعمال فمن الناس من فتح الله له باباً من الأعمال الصالحة فهي ديدنه ومنهم من فتح له بابان وثلاثة وأكثر فهو ينقل نفسه بين رياض هذه الأعمال وفي كل واحد من هؤلاء خير يقول النبي صلى الله عليه وسلم (المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف وفي كل خير)
فقوي الإيمان على خير وهو في علية الناس وكتابه في عليين، وضعيف الإيمان هو الآخر على خير بشهادة النبي صلى الله عليه وسلم .
والها تعالى يقول: (ولعبد مؤمن خير من مشرك) ، ومع ذلك هو مطالب أن يزيد في إيمانه، وأن ينشط في نفسه، وأن يلحق بالسابقين من إخوانه (احرص على ما ينفعك واستعن بالله)
(والسابقون السابقون أولئك المقربون) .
(وفي ذلك فليتنافس المتنافسون) .
إنَّ المسلم حينما يدرك أنه لن يستوعب كل أبواب الخير وإن حصَّل جملة منها، فإنه يستمسك بالباب الذي فتح له على حدِّ ما يروى عن عمر رضي الله عنه (من بورك له في شيء فليلزمه) .
فمن الناس من يفتح الله باب الصلاة فهو ذو النفس التواقة إلى مناجاة الله في إطالة الركوع والسجود، ينتظر الصلاة بعد الصلاة فقلبه معلق بالمساجد فإن حلَّ أو ارتحل فهو ينظر في ساعته، متى الصلاة ؟
و آخر يفتح له باب في النفقات وبذل المال فهو يعطي من ماله ومن طعامه ولباسه، راحته أن يجد فقيراً ينفعه أو مسكيناً يخفف مسكنته إن كان ذا مال فهو يبذل من ماله وإلا سعى له بمال من غيره وفي صحيح مسلم عن أبي موسى عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : إن الخازن المسلم الأمين الذي ينفذ (وربما قال يعطي ) ما أمر به فيعطيه كاملا موفرا طيبة به نفسه فيدفعه إلى الذي أمر له به أحد المتصدقين ).
فالسعي في أبواب الخير وتفقد المحتاجين وإيصال الصدقات والإعانات والنظر في أسر المساجين ومن ركبتهم الديون ومن ضيق عليهم المؤجرون همٌّ يجري في عروقهم ومتعة لا يعدلها متعة مع أهل ولا ولد .
فلله درهم ما أكثر خيرهم وأعم نفعهم، فعلى الله أجرهم .
أما ذاك الثالث فلا تسأل عن أنسه بالصيام ومواصلة الأيام يصوم حتى يقال لا يفطر ينتظر الأيام الفاضلة كما ينتظر الغائب غائبه
وفي الصحيحين من حديث عائشة أنَّ حمزة بن عمرو الأسلمي قال للنبي صلى الله عليه وسلم: " أأصوم في السفر ؟ - وكان كثير الصيام – قال : إن شئت فصم ، وإن شئت فأفطر "
لحظات الإفطار لا تقاس ببهجة الدنيا كلِّها ، فهو يصوم سراً وعلانية .
ومع هؤلاء وبينهم قوم آخرون قد خصَّهم الله واصطفاهم ليكون أكنافاً موطئة لوالديهم فهم بررة بآبائهم وأمهاتهم يبذلون وقتهم وجهدهم ومالهم في الإحسان لهم ودفع ما يزعجهم فلا يرون راحة لهم إلا أن يرتاح والداهم، فهم يسهرون ويسافرون ويهضمون أنفسهم لأجل والديهم .
بلغ برهم مبلغ الخيال، وانتهى إلى أعالي الجبال .
فبرهم أرجى عمل عندهم .
وفي قصة الثلاثة الذين انطبقت عليهم الصخرة توسل أحدهم للخلاص من كربهم ببره والديه وأنه لا يقدم عليهم أهلاً ولا ولداً فصار بره من أسباب خلاصه من الموت وخلاص رفاقه .
ومن أعظم الفتوحات في الأعمال أن يفتح الله على بعض الناس حبَّ الخير للغير فهو الناصح للمقصر والمعلم للجاهل والمذكر للناسي فالمتجاسرون على حدود الله هم شغله الشاغل والمتورطون في المنكرات هم محل تفكيره يرى هداية الخلق بالكلمة المشفقة ، والقدوة الناصحة واجباً عليه، وبيان شرع الله للغافلين بالحكمة والموعظة الحسنة غاية مراميه .
فهذا وأمثاله قد ارتاضت نفوسهم على سب الجاهلين وسخرية المجرمين وتغامز السافلين .
فمهمة الرسل مهمتهم ، ولهم في صبر النبي صلى الله عليه وسلم المثل الذي تعلو بهم همتهم .
فما أكبر نفوسهم، وما أعظم أثرهم على الناس وأقبح أثر الناس عليهم .
كتب عبد الله العُمري العابد إلى الإمام مالك رحمهما الله: يحضُّه على العُزلةِ والعمَل المنفرد، فكتب إليه الإمام مالك رحمه الله : "إنَّ الله قسم الأعمالَ كما قسم الأرزاق، فرُبّ رجلٍ فُتِح له في الصلاة ولم يفتَح له في الصوم، وآخر فُتح له في الصدقةِ ولم يفتَح له في الصوم"، ثم يقول الإمام مالك : "ونشرُ العلم من أفضلِ أعمال البرّ، وقد رضيتُ بما فُتح لي فيه ، وما أظنّ ما أنا فيه بدون ما أنت فيه، وأرجو أن يكونَ كلانا على برٍّ وخير"
وصدق رحمه الله والله تعالى يقول (فمن يعمل مثقال ذرة خيراً يره) . بارك الله لي ولكم ...


الحمد لله       أما بعد :-
فتنوع الأعمال التي فتحها الله على عباده لا حدَّ له، وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال المؤمن حارث وهمام فهو حارث بفعله يباشر أعماله، وما لا يستطيعه فهو همَّام به أي : له نية حسنة فيه لو استطاعه لعمله .
فالتاجر في عمله والموظف في وظيفته والمعلم بين طلابه وصاحب الرأي برأيه ومشورته كل بحسبه وحيث يضعها يجدها ، ولا تزال دائرة الخير والعمل تتسع حتى لا تدع لأحد عذراً وتأمل جيداً ما رواه أبو ذرّ رضي الله عنه قال: يا رسول الله، أيّ الأعمال أفضل؟ قال: (إيمانٌ بالله، وجهاد في سبيله)، قال: فأيّ الرِّقاب أفضل؟ قال: (أغلاها ثمنًا وأنفسها عند أهلها ، قال: أرأيتَ إن لم أفعل؟ قال: تعين صانعًا أو تصنَع لأخرَق ، قال: أرأيت إن ضعفتُ عن بعض العمل ؟ قال: تكف شرَّك عن الناس ، فإنّه صدقة تصدَّقُ بها على نفسك) متفق عليه .
فاعرف يا عبد الله : أين تضع نفسك في ميدان العمل وفي حياة المسارعة والمسابقة ؟
(وسارعوا إلى مغفرة من ربكم)، (سابقوا إلى مغفرة من ربكم) .
أيها الأخوة: إن من أجل الأعمال التي يسرها الإنسان بينه وبينه ربه و ربما أعلنها أيضا هي احتسابه في رعاية أسرته والقيام على تربية أبنائه وبناته ورحم الله ذاك الأب ومثله تلك الأم -الذي قدم استقالته مكتفياً ببعض مرتبه لأنه رأى أن وظيفته تحول بينه وبين أسرته والجلوس مع أولاده بعد أن أدرك أن حاجة الأولاد إلى قربه منهم أصبحت في هذا الزمن متأكدة وأنه لا بد من النزول إلى ميدان الأولاد والعيش في جوهم والدخول في عالمهم والمعرفة التامة لمن أصبح شريكاً له في التربية والتوجيه عبر وسائل التواصل والمواقع والاتصال .
أيها الآباء أيها المربون: ما أصعب الزمن فاجأ كثيراً منا بمتغيرات لم نحسب لها حسابها فنحن نريد أبنائنا على شاكلتنا ويعيشون حياتهم الأولى بالطريقة التي عشناها وحينها نشأة الفجوة، واستخف بعض الأولاد ببعض شؤون حياتهم، ولاذوا بشيء من اهتماماتهم لما قيل لهم: لا بد أن تستقل بحياتك الشخصية، ويكون لك في أمورك خصوصية   فأصبح بعض الآباء مع أفراد بيتهم في غربة، وفي حياتهم في شدة وكربة!
لذا كان من أفضل أعمالك أيها الموفق زمن المتغيرات، وانفتاح الفتن وسهولة المنكرات هو أن تستعين الله بنوجيه من تحت يدك، وتبصيرهم بأن المخالفات الشرعية لا تنقلب مع الزمن لتكون أموراً عادية .
والمنكر ما أنكره الشرع وإن أكب عليه الناس وتذوقوه، أو شربوا منه وسوغوه .
فاللهم احفظ علينا ديننا، واحفظنا في ديننا غير مبدلين ولا مغيرين .
فاللهم اجعلنا من المتعاونين على البر والتقوى .



التعليقات ( 0 )

جميع الأوقات بتوقيت جرينتش +4 ساعات. الوقت الآن هو 08:00 مساءً الأربعاء 10 مايو 1440.