• ×

admin

خطبة الجمعة بعنوان (عظمة السجود)

admin

 0  0  153
زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط

إن الحمدَ لله ...  أما بعد :-   

تتزاحم الهموم، وتتوالى على العبد الضعيف الغموم، وتضيق به الدنيا فيبحث عن متنفس يفضي إليه، وخل يخفف عنه، وصديق يصدقه ويواسيه  

وَلا بُدَّ مِن شَكوى إِلى ذي مُروءَةٍ    يُواسيكَ أَو يُسليكَ أَو يَتَوَجَّعُ  

ولكنها تبقى شكوى ضعيف إلى ضعيف مثله!

فلا غني لك أيها الإنسان عن الذي خلقك، فهو أعلم بك من نفسك

(ولقد خلقنا الإنسان ونعلم ما توسوس به نفسه ونحن أقرب إليه من حبل الوريد)، (ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير)

أجل يا عبدالله من الذي يستغني عن ربه طرف عين أو أقل !؟ .

علم الله من حال نبيه صلى الله عليه وسلم أنه يضيق صدره، ويعتريه ما يعتري البشر، وربما ركبه من الأسف والحزن ما يكاد يهلك نفسه على أثره فجاءت مواساة الله لنبيه صلى الله عليه وسلم من ربه القادر على أخذ من عادى نبيه أخذ عزيز مقتدر – (فلعلك باخع نفسك على آثارهم إن لم يؤمنوا بهذا الحديث أسفا) .

ولا يزال ربه يتعاهده بالتثبيت (فَلَعَلَّكَ تَارِكٌ بَعْضَ مَا يُوحَى إِلَيْكَ وَضَائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ) أي: فلا ينبغي هذا لمثلك، فامض على أمرك، ولا تصدك هذه الأقوال الركيكة التي لا تصدر إلا من سفيه ولا يضق لذلك صدرك.

أيها الإخوة في هذه العنِاية الألهية، والمقامات الربانية التثبيتية  

يستوقف المتأمل قوله تعالى (وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ * فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ) [الْحِجْرِ: 97- 98].

أي: الخاضعين لربهم، وأخص مظاهر الخضوع، وقمة ثبات المؤمن حينما يقرب من ربه (كَلَّا لَا تُطِعْهُ وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ)

وفي صحيح مسلم عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- أَنَّ النَّبِيَّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قَالَ: " أَقْرَبُ مَا يَكُونُ الْعَبْدُ مِنْ رَبِّهِ وَهُوَ سَاجِدٌ".

إنه السجود أعظم أركان الصلاة بهيئته، وأفضل أحوالها بسكينته، وهو الركن الفعلي الوحيد الذي لا يشرع غيره خارج الصلاة وذلك في التلاوة والشكر .

قال الله تعالى عن داود -عَلَيْهِ السَّلَامُ- (وخَرَّ رَاكِعًا لِرَبِّهِ وَأَنَابَ)، والركوع هنا المراد به السجود قال ابن عباس رضي الله عنهما: "هي مِمَّنْ أُمِرَ نَبِيُّكُمْ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أن يقتدي به فسجدها داود عليه الصلاة والسلام فَسَجَدَهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " .

ولايزال السجود صفة لمن أنعم الله عليهم من أنبيائه، وخاصة أوليائه (أُولَئِكَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ مِنْ ذُرِّيَّةِ آدَمَ وَمِمَّنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ وَمِنْ ذُرِّيَّةِ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْرَائِيلَ وَمِمَّنْ هَدَيْنَا وَاجْتَبَيْنَا إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُ الرَّحْمَنِ خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا) [مَرْيَمَ: 58].

وفي صفات عباد الرحمن الذين يمشون على الأرض هونا (وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا) [الْفُرْقَانِ: 64].

ولما وقع الحق وبطل ما كان يصنع فرعون وقومه ألقي السحرة ساجدين .

والصديقة مَرْيَم بِنْت عِمْرَانِ (يَا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ) [آلِ عِمْرَانَ: 43].

فِي السُّجُودِ -عِبَادَ اللَّهِ- تَتَجَلَّى عبودية الكون كله، فالكل خاضع لله

عَنْ أَبِي ذَرٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لِأَبِي ذَرٍّ حِينَ غَرَبَتِ الشَّمْسُ: «أَتَدْرِي أَيْنَ تَذْهَبُ؟»، قُلْتُ: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: " فَإِنَّهَا تَذْهَبُ حَتَّى تَسْجُدَ تَحْتَ العَرْشِ " أخبار غيبية، لايسع المؤمن إلا الإيمان بها .

بل سجل الله السجود من أعظم مخلوقات لله علمناها

(أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَمَن فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِّنَ النَّاسِ ۖ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ ۗ وَمَن يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِن مُّكْرِمٍ ۚ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ ۩)

أيها الساجدون: أدرك عدوكم الأول الشيطان أدرك عظمة السجود فاشتد غيظه أن يسجد ابن آدم، رَوَى مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قَالَ: “إِذَا قَرَأَ ابْنُ آدَمَ السَّجْدَةَ فَسَجَدَ اعْتَزَلَ الشَّيْطَانُ يَبْكِي يَقُولُ: يَا وَيْلَهُ“، وَفِي رِوَايَةٍ: “يَا وَيْلِي! أُمِرَ ابْنُ آدَمَ بِالسُّجُودِ فَسَجَدَ فَلَهُ الْجَنَّةُ، وَأُمِرْتُ بِالسُّجُودِ فَأَبَيْتُ فَلِي النَّارُ“.

أيها الإخوة: السجود مستراح المؤمن، ومحل دعائه لربه، وشكايته حاله، وسؤاله مراده يَقُولُ النَّبِيُّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-:"وَأَمَّا السُّجُودُ فَاجْتَهِدُوا فِي الدُّعَاءِ فَقَمِنٌ أَنْ يُسْتَجَابَ لَكُمْ" رَوَاهُ مُسْلِمٌ.

وفقنا الله جميعاً لذلك .

الحمد لله

فمَعَاشِرَ السَّاجِدِينَ في صلواتهم وخلواتهم : بقول النبي صلى الله عليه وسلم َإِنَّكَ لَا تَسْجُدُ لِلَّهِ سَجْدَةً إِلَّا رَفَعَكَ اللَّهُ بِهَا دَرَجَةً، وَحَطَّ عَنْكَ بِهَا خَطِيئَةً” “رَوَاهُ مُسْلِمٌ”.

وأخبر عليه الصلاة والسلام أنه يَعْرِفُ أُمَّته فِي عَرَصَاتِ الْقِيَامَةِ بِأَثَرِ السُّجُودِ .

للسجود معنى آخر حينما تباشر جبهتك الأرض، ويعلق بها ما يعلق من التراب فهو قمة في الذل لله، يتذكر في هذه اللحظات أصله (خلقكم من تراب) فينكسر كبره، ويعرف قدره، ويتذكر نهايته حينما ينقطع عمله، وينتهي أمله، ويوارى أحبابه التراب عليه (ثم أماته فأقبره) .

فلاتستنكف أن تكون بعض صلاتك، وسجودك على التراب حينما تضرب في الأرض مسافراً، أو تتنقل في مناكبها متنزهاً

وفي الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم سجد في ماء وطين، قال أبو سعيد الخدري: مطرنا ليلة إحدى وعشرين من رمضان، فنزل المطر في مصلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فنظرت إليه وقد انصرف من صلاة الصبح، ووجهه مبتل طينا وماء

ومن أدب السجود قول النبي صلى الله عليه وسلم "إِذَا قَامَ أَحَدُكُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَإِنَّ الرَّحْمَةَ تُوَاجِهُهُ فَلَا يَمْسَحِ الْحَصَى "

وفي رواية "إِنْ كُنْتَ لاَ بُدَّ فَاعِلاً فَمَرَّةً وَاحِدَةً" رواه الخمسة بإسناد صحيح ..

ومن آكد ما ينبه عليه الساجد أن يسجد على ما أوجب الله السجود عليه فعن ابنِ عبَّاسٍ رضيَ اللهُ عنهما قال: قال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم:" أُمِرْتُ أنْ أسجُدَ على سبعةِ أعظُمٍ؛ على الجبهةِ - وأشارَ بيدِه إلى أنفِه - واليدينِ، والرُّكبتينِ، وأطرافِ القدَمينِ" متفق عليه .

وإذا تركها عمدًا بطلت صلاته، وإن تركها سهوًا فإن أمكنه أن يأتي بها في الحال أتى بها ، وصح سجوده، وإن لم يمكن فتبطل ركعته وتقوم الركعة الثانية مقام الأولى التي ترك فيها بعض أعضاء السجود .

فانتبه أيها المصلي نفلا أو فرضاً إماماً أو مأموماً أو منفردا

تأكد من وضع أعضاء سجودك كلها على الأرض من أول السجود حتى ترفع منه فالأمر جد خطير !

ثم ليكن سجودك بنشاط المصلي الذي يرجو ما عند الله فقدم ركبتيك على يديك عند النزول للسجود ولا تبرك كما يبرك البعير ما لم يشق عليك لكبر أو ثقل أو علة .

ثم جاف عضديك عن جنبيك، وارفع مرفقيك، ولا تبسط يديك على الأرض انبساط الكلب فتلك صلاة الكسالى المتثاقلين .

واجعل سجودك على أتم زينة، وتمام طمأنينة، واجعل صلاتك صلاة مودع لا تدري ألك عودة لها أو هي صلاتك الأخيرة، قبل أن يصلى عليك، وتلك سجدتك التي ليس بعدها سجدة في هذه الدنيا .  أحسن الله لنا ولكم الختام، وجعل خير أعمالنا آخرها، وأسعد أيامنا يوم أن نلقى ربنا راضية نفوسنا مرضي عنها .



التعليقات ( 0 )

جميع الأوقات بتوقيت جرينتش +4 ساعات. الوقت الآن هو 11:31 مساءً الخميس 10 سبتمبر 1442.